خصائص الأسرة الجزائرية: 

يتأثر سلوك الأب والأم بشروط البيئة والثقافة والمعتقدات السائدة والقيم الأخلاقية، حيث توجه هذه العوامل سلوك الناس في حياتهم اليومية. 
وقد عرفت الأسرة العربية ثباتا واستقرارا منذ عدة قرون، إلا أن هذه العلاقات تشهد تغيرا سريعا في وقتنا الحاضر، كذا هو الحال بالأسرة الجزائرية التي مرت بمراحل متعددة في نشأتها وتطورها، ومنه تأثرت وظيفتها في ظل هذه التغيرات والتطورات، إلا أن للأسرة العربية عموما عدة مميزات لا تتغير كثيرا، ومن هذه المميزات: 
· أسر ممتدة، هرمية السلطة الأبوية، التضامن والتماسك. 
· وحدة دفاعية، أسرة تقليدية محافظة في أمور السمعة والشرف، وتأكيد الولاء الأسري. 
· التسامح المفرط في الطفولة المبكرة، ثم التغير الحاد إلى تسلط وتحكم وتوجيه. 
· المرأة تكسب احتراما في عالم الرجال لكونها أماً لذكر أو ذكور
· ينتظر من الصبي أن يكون أكثر نشاطا وأكثر قدرة على التنافس، وأكثر استقلالية واعتمادا على الذات. 
· جعل البنت على درجة أقل من الرجل، وتعزز لديها الهدوء والرقة، وسلوك الطاعة والانصياع، وتحضيرها للعمل المنزلي


الأسرة الجزائرية في عهد الاستعمار الفرنسي 1830-1962 
لا يمكن لأي عاقل أن يتجاهل أن الاستعمار الفرنسي عندما دخل الجزائر دخلها مستعمرا ومدمرا لكل ما فيها؛ فدّمر مزارعها وحقولها، وحّول قمحها إلى خمر وتبغ، لأن الاستعمار كان يعلم أن الأرض هي محور رزق الجزائري وبالتالي اتجه إليها مباشرة بالتدمير والحرق، واتجه إلى شعبها جماعات وأفراد هالكا ومعدما لكل من ينطق برفض الاستعمار، ومن بقي منهم على قيد الحياة حاول معه أبشع صور الإبادة الجسدية والفكرية، ليبث بين أبناء الشعب سياسة التنصير، من أجل أن تصبح الجزائر فرنسية؛ إلا أن مصلحي هذه الأمة لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه الهجمات الإبادية لشعب عربي مسلم؛ بل وقفوا ضد كل القوانين الاستعمارية آنذاك التي سنت لتفكيك المجتمع الجزائري بشتى الوسائل، فظهر الإمام ابن باديس مثلا ليدوي بصوته قائلا:" ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست فرنسا، ولا يمكن أن تصير فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو - أرادت – بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها...". 
ويمكن سرد بعض الأساليب الاستعمارية التي هدفت من ورائها إلى تفكيك الأسرة الجزائرية خصوصا والمجتمع الجزائري عموما: مثل تحطيم النسب العائلي، والتقتيل، والتشريد، والتنصير، ونشر الموبقات والوسائل الهدامة مثل الخمر والقمار والزنى، وغيرها كثير. 
وقد عانت الأسرة الجزائرية من الصعوبات والتهميش، والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة، مما أدى بها إلى رفض الاندماج في المشروع الجديد الوافد، في الوقت الذي ظن فيه الاستعمار أن مشروع تفكيك الأسرة الجزائرية يسهل تنفيذه، ولكنه أخطأ الظن، إذ أن عمليات الإبادة والقهر والتسلط عليها دعت أفرادها إلى الالتفات حول بعض والوقوف ضد المستعمر الغاشم، فبدل أن تتفكك الأسرة ويتجه بعض أفرادها إلى القبول بالمستعمر والترحيب به، تكاثف جهود الأفراد إلى الردّ القاسي والمتمثل في "تنامي قيم التعاطف والتضامن بين الأسر، والتمسك باللغة العربية، والقيم الثقافية الوطنية، وتعليم الأطفال اللغة العربية والقرآن في الزوايا والجوامع"

هذه العوامل والمتغيرات التي أثرت في الأسرة الجزائرية وعلاقتها بسياسات المستعمر الإبادية عجلت في قيام ثورة التحرير "وتكون الأسرة الجزائرية قد أمدتها بعوامل التحرير، يحدوها أمل الانبعاث مرة أخرى" إذ عمدت الأسر الجزائر إلى شحذ همم أطفالها أملا في تحقيق استقلال البلاد، فعبأتهم ضد المستعمر، ودفعت بهم للشوارع متظاهرين، وإلى الكُتاب والمساجد حافظين لكتاب الله، متمسكين بثوابت هويتهم العربية والإسلامية، رافضين لأساليب التنصير والعيش باطمئنان في كنف مستعمر غاشم، فكان للأم الجزائرية ما أرادت في شعلة الثورة الجزائرية 1 من نوفمبر 1954م، وجاء الاستقلال, بالتربية الإيجابية للأم الجزائرية. 


 الأسرة الجزائرية مرحلة الاستقلال 1962- 1988م 
جاء المنعطف التاريخي سنة 1962م، الذي طالما انتظرته الأسرة الجزائرية بشوق لتتحرر من أدران المستعمر وسياساته العنصرية وتعيش في كنف قيمها وثوابتها العربية الإسلامية، ولم يخب جيل الثورة أملها في استرجاعه لأرضه. 
وعاش جيل الثورة عهد الاستقلال محاولا تحقيق آماله وطموحاته في حياة أفضل للمجتمع الجزائري العربي المسلم، وتحقيق المساواة في فرص التعليم والتوظيف، وحق المواطن الجزائري في حياة أفضل على كافة المستويات. 
ونقل جيل الثورة لأطفاله تاريخ الجزائر وقت الاستعمار، وبطولاته ضد المستعمر من أجل أن تحيا بلاده حرة مستقلة، وحاولوا بذلك أن يعبئوا أبناءهم ضد الظلم والمهانة التي عانوا منهما آنذاك من أجل أن يحس الأبناء أنهم في هذا الوقت, أفضل وأحسن حال آلاف المرات، وأن أبواب الخير وأحلام المستقبل ستتحقق بإذنه تبارك وتعالى في ظل استقلال البلاد، وكان لهذه التعبئة أثرها العميق في نفوس الأبناء الذين قدّروا تضحيات أبائهم وأجدادهم... ولكن بسبب عدم وجود مشروع اجتماعي واضح, والاضطراب الذي شهدته البلاد بسبب إقرار قانون الأسرة عام 1984م, كما كان للغزو الثقافي الغربي أثر كبير على بناء ووظيفة الأسرة. 

 الأسرة الجزائرية في مرحلة التغيير 5 أكتوبر 1988م -1991م. 
تأثرت الأسرة الجزائرية بأحداث الخامس من أكتوبر 1988م، وما تلا هذا التاريخ من أحداث وتداعيات على كافة مناشط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكان لهذا تأثير أعمق على مستوى الأسرة الجزائرية ، فبعد أن عاش الجزائري هانئا مطمئنا بعد خروج المستعمر، يحدوه الأمل في حياة أفضل كما كان يتمنى وهو يقاتل ضد المستعمر، لم يحصل الكثير.. الكثير من الأحلام التي كانت تراود الجزائري في العيش في كنف الحريات العامة، محققا حياة رغيدة؛ إذ استحوذت ثلة قليلة على أحسن الأعمال والوظائف والمناصب، وعاش غالبية الشعب الجزائري في الفقر، ولم يصلهم من مكاسب الثورة التحريرية حتى سلك كهربائي ينيرون به بيتهم المظلم. الأمر الذي دفع بالمواطن أن يعيش ناقما حاقدا على الذين يعتلون الكراسي ويزدادون غنى، وهو في مكانه يزداد فقرا مع انعدام الدعم لأساسيات السلع الاستهلاكية، مما كان له الأثر السلبي على طريقة تعامل الأب وولّي الأمر على أسرته وأفرادها، خاصة مع مطالب الأبناء التي لا تنتهي، ثم إن الوالدين أو بالأحرى الأب تنازل عن دوره التربوي في تنشئة الأولاد، واللهث وراء متطلبات الحياة اليومية. 

الأسرة الجزائرية في سنوات المأساة الوطنية 1991م- 2000م 
عاشت الجزائر سنين الجمر لم تشهد لها مثيلا أي دولة عربية مسلمة، القتل والتشريد والتهجير من القرى، وعدم الأمن خلال السفر، يضاف إلى ذلك عدم الإحساس بالأمان في البيوت نفسها، مما شكّل حالة من القلق و الرهبة في نفوس المواطنين، الذين انطووا على أنفسهم، وتكدر صفو حياتهم اليومية التي أصبحت خليطا بين هاجس الخوف اليومي والخوف من الغد. ولنا أن نتصور حال الأسر الجزائرية ومعاناتها اليومية في البحث عن الأمن والأمان لأبنائها، ناهيك عن البحث عن لقمة العيش التي يشارك فيها الأطفال أنفسهم في ظل تدهور الحياة الاقتصادية للبلاد، فقد أثرت هذه التغيرات وغيرها وشكلت ضغوطا على الأسرة، فمست بناءها ووظيفتها، وضعفت معها الكثير من وظائف الأسرة المطلوبة مثل التربية الجسمية والنفسية والعقلية، والتربية الخلقية والدينية، ناهيك عن التنشئة الاجتماعية التي توجه سلوك الطفل نحو اكتساب العلاقات الاجتماعية مع الآخرين؛ إذ تقوضت كل أسرة على نفسها، وضيّقت من حدود ومجالات التعامل حتى بين الجيران أنفسهم. 
وبفعل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتردية، جعل الآباء أكثر عرضة للقلق والتوتر ومشاعر الإحباط، وهذا ما ينعكس سلبا على أساليبهم التربوية داخل الأسرة وعلاقاتهم بأبنائهم
وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في هذه المرحلة ظهرت أسر جيل الجامعات أي الأسر المثقفة التي يعد أحد الوالدين فيها على الأقل خريجا جامعيا. 

 الأسرة الجزائرية مع بوادر انفراج الأزمة الجزائرية 2000م-2006م 
بانفراج الأزمة التي عاشتها الجزائر أكثر من 10 سنوات، شهدت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ازدهارا كبيرا، كان له الأثر العميق على الحياة اليومية للمواطن الجزائري عموما وعلى الأسرة الجزائرية خصوصا، فكل تغيير إيجابي أو سلبي في الحياة العامة للبلاد يكون له تأثيره الإيجابي والسلبي كذلك على يوميات الأسرة الجزائرية، ومنه على طرق التعامل أفراد الأسرة مع بعضهم البعض، فحالة الاكتئاب التي يشعر بها الأب خارج البيت تنعكس سلبا على طريقة تعامله مع زوجته وأولاده، كذا الأمر بالنسبة للأم فإذا كانت حالتها سيئة مع الزوج فإن هذا سينعكس مباشرة على الأولاد، مهما حاولت الأم ألا تظهر حقيقة ما تمر به. 



الأسرة الجزائرية ودور التقاليد في تنشئة الأطفال:

قبل أن نلج إلى صلب موضوعنا والمتمثل في دور التقاليد التي تحكم المجتمع الجزائري، يجب بداية أن نعرف ما هي هذه التقاليد وما أنواعها، وهل كلها مرفوضة، أم أن منها المرفوض شرعاً، ومنها المقبول الذي لا يخالف الشريعة الإسلامية؟

والأصل أن التقاليد عرفت في المجتمعات قبل الأديان، ولكن في العادة الدين إما يلغي بعض العادات المنافية لمقاصد الشارع الحكيم، وإما يثبت بعض العادات والتقاليد التي لا تتنافى مع أحكام الدين وشرائعه، وإما أنه يشرع أحكاما جديدة تصبح بمرور الزمن عادات وتقاليد، وهي التي تعرف في الشرع باسم العرف والواقع.

وقد قُسِّمَ العرف إلى ما هو عام وخاص، وإلى ثابت ومتغير. غير أننا نعتبر أن هذا العرف لن تجدي الدراسة فيه منفردا، بل لا بد من دراسته والواقع، فما العرف إلا جزء من واقع الناس، وكل واقع عرف وكل عرف واقع، فهو متضمن فيه.

وهذا الأستاذ جمال الدين عطية يعرفه بأنه واقع الفرد وواقع الجماعة، وله في ذلك صورتان؛ صورة في الواقع الثابت، وصورة في الواقع المتغير.

فالواقع الثابت: هو سنن الله في الآفاق والأنفس والتي نص القرآن الكريم على أنها لا تتغير ولا تتبدل .. فالتشريع مبني على مراعاة الواقع، فهنا يكون الواقع الذي رعاه التشريع هو الواقع الثابت الذي لا يتغير.

أما الواقع المتغير فهناك كذلك مستويان له: مستوى الواقع العام؛ وهو أعراف وظروفهم التي تتغير من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان.

وهناك الواقع الخاص بحالات فردية محددة، وهنا تأتي مراعاة هذا الواقع في صورة الفتوى أو في صورة حكم القضاء(1).

وهو الذي كان يراعيه الأئمة المجتهدون لأنهم يضعون قواعد عامة لبيئة معينة ولعصر معين (العرف مثال له).

والأسرة الجزائرية في حياتها تعتمد على نوعين من التقاليد؛ التقاليد المحمودة, والتقاليد البالية، وهي التي تُعرف بالتقاليد المذمومة والتي ذمّتها الشريعة الإسلامية لأن فيها انتهاكا لحرمات مقدسة، ولأنها تنافي مقاصد الشريعة في رعاية وحفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال.

ومن الأمثلة التي عرفتها الأسر الجزائرية لهذه التقاليد: عدم تعليم البنات، حرمان المرأة من الميراث، تقديم الأولاد على البنات في العطايا والهدايا، وحتى الحب والحنان، النظرة للمرأة المطلقة أو الأرملة بنظرة ازدراء عندما تخرج للعمل خصوصا، أما الرجل المطلق أو الأرمل فلا يهتم الناس لشأنه على الإطلاق, ومثله أيضا عندما يموت أحد الزوجين يسارع الرجال للزواج وتصارع الزوجة الحياة لتربية أبنائها!

وأما المثال المهم فهو أن القاعدة العامة التي تحكم الأسر الجزائرية خصوصا، والعربية عموما، أن المرأة هي حرمة البيت وشرفه وعرضه، وبالتالي فإن الكيفية المثلى للحفاظ على هذا الشرف هو احتباسها وحجزها في البيت، أو بمعنى آخر إقصاؤها من الحياة عموما، وهذه هي النظرة السلبية والدونية للمرأة في مجتمعاتنا الجزائرية على نطاق واسع في المدن, ناهيك عن الأرياف والقرى.

فهذه تقاليد في عمومها لا تمت للإسلام بصلة، والإسلام منها براء, ومع ذلك فهي تمثل أسس التربية التقليدية التي تسير بها كثير من الأسر الجزائرية, فماذا يمكن أن تنتج لنا؟

وفي المقابل نجد أن الولد والابن يستحوذ على القدر الأكبر من الرعاية والتربية والإيثار؛ باعتبار ما سيكون في المستقبل، فهو الحامي للأسرة، الحامل لاسمها، والمتكفل بها ماديا، وإذا ولد للأسرة الجديدة ولدا ذكرا قيل له: الغرز لأن اسم العائلة سينغرز في الأرض عكسه لو ولدت لهم طفلة فهي مولود وكفى.

أما التقاليد المحمودة وهي التي طورها المجتمع المسلم، مثل قيّم الأسرة الكبيرة وأهميتها، والتواصل بين الأفراد في الزيارات، قيمة العرش والجماعة التي تحكم في قضايا الأسرة ولا تتصرف خلافا للشرع، وغيرها.

فهذه التقاليد أثرت كثيرا في التربية التي وجهت للأطفال، وابتعدت عن أسس التربية الإسلامية المطلوبة في قوله تعالى :{قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}، والتي نتج عنها تضعضعا في الدور الرسالي والتربوي للأسرة.

مميزات التربية التقليدية:

• وهنا لا يمكن نكران أن الأسر الجزائرية كلها تقريبا، " يكاد يكون أسلوب تنشئة الأطفال تكرار الأسلوب الجيل السابق ، فالأم تستقي معلوماتها في العناية بالطفل من قريباتها، ونادرا ما تستشير مربيا أو طبيبا أو كتابا".

• " يعيش الطفل ملتصقا بأمه، لا يخضع نومه وتغذيته لجدول مسبق، فالطفل يأكل وينام ويلعب حينما يرغب وسط حنان ودلال كبيرين".

• ثم يبدأ الأهل بمطالبة الطفل بالطاعة، والزجر لأنه يخالف قواعد التهذيب"

• اعتماد أسلوب العقاب الجسدي كوسيلة من وسائل التنشئة، والتهديد بالحرمان من العطف والمحبة بهدف ترويض الطفل وتعويده الطاعة والأدب (2).

التسلط الأبوي ومظاهره:

يعتقد كثير من الآباء أن كل ما يحتاج إليه الطفل هو الشدة والحزم، وتدريبه على الطاعة والنظام، وإلحاق العقوبة به بمجرد فشله في تنفيذ ما يوجه إليه من أوامر.

ومن مبررات ظهور من هذا السلوك لدى الآباء أن:

- الأب لا يجد التقدير في حياته الخارجية، ويحاول أن يحصل على الاحترام والتقدير الذي يستحقه الأب من جانب أبنائه.

- أو من أجل المحافظة على قيم لا تنسجم مع قيم المجتمع النازحين إليه، مثل الانتقال من العيش في البيئات الريفية إلى البيئات الحضرية.

- وقد يكون له أسباب تاريخية أن دور الأب التسلطي هو الدور الذي كان سائدا في الماضي، والذي يسوده التمسك بفكرة أن واجب الطاعة مفروض على الأطفال(3).

الأسرة الجزائرية ودور الأفكار التغريبية في تنشئة الأطفال:

بين تقليد الغرب تقليدا أعمى، والاستفادة من تجاربه وحضارته المعاصرة تتيه الأسرة الجزائرية.

فكثير من الأسر لا تستطيع التمييز بين مكتسبات الحضارة الغربية وسلبياتها؛ وتقليد الغرب ذلك التقليد الأعمى في أنماط حياته، وسلوكيات الغربيين اليومية،إذ أن فيه الكثير من الخلل؛ لأن منظوماتنا الأخلاقية تختلف جذريا وتتمايز عن منظومتهم تمايزا واضحا لكل مسلم يعتقد بالدين الإسلامي.

ولا ننكر هنا أنه يجب أن نستفيد كل الاستفادة من مكتسبات الحضارة الغربية التي لا تنافي قيمنا وأخلاقنا، لا سيما أخلاق الحياء والتواضع، وأخلاق الرضا والاحترام، أخلاق الآداب العامة، وأخلاق احترام الصغير للكبير، وتوقير الكبير للصغير، أخلاق الحب في الله، وغيرها.

نعم يمكنا الاستفادة من الغرب في طرق البناء والهندسة المعمارية، لكن لا نبني شققا وعمارات تكشف عن حيائنا، وتزيل هذا الخلق في تعاملنا مع الجيران مثلا، وفي الوقت نفسه لا نبني شققا مغلقة مكتومة لا ينفذ إليها الهواء إلا من ثقوب شرفات مكذوبة، فهذا غلو ينافي مقاصد الأبنية في أن الهواء يدخلها وينفذ إليها.

وما يخص موضوعنا في تربية الأبناء فإن كثيرا من التقاليد الغربية المسخة دخلت عقر دارنا عن طريق التلفاز أو الأسواق الاستهلاكية التي أغرقتنا في الماديات وأبعدتنا عن قيمنا، وعاش الناس في غفلة تائهين عن مقاصد الزواج أساسا ، ومقاصد العائلة تبعا في تربية الأبناء، وإعداد الإنسان الصالح الذي يكون خليفة الله في أرضه.

وتعيش الأسرة الجزائرية جهلا وغفلة عن مقاصد الأسرة في الإسلام، لا تعيش إلا لتبحث في وعن ضرورات المعاش في المأكل والمشرب والملبس، وينعكس ذلك سلبا على الأبناء الذين يقلدون آباءهم أو ينتهجون لأنفسهم نهجا أصدقائهم في البحث عن جديد السوق من الملابس والأشرطة السمعية، وآخر أخبار التلفاز، وهم في غفلة عن صلاتهم اليومية، ناهيك عن التخلق بأخلاق الإسلام من صدق وتواضع، بل إن النفاق والكذب والتكبر أصبح من سمات الكثير من أطفالنا خاصة بين أبناء الطبقة العليا.

وينشأ الأبناء لا يفقهون شيئا عن الله تبارك وتعالى، ولا يعرفون معنى أن نصلي 5 مرات في اليوم، لا يهم الفتيات والفتيان إلا جديد الموضة وآخر فيديو كليب، وآخر أخبار السينما، والتحضيرات النهائية لمباريات كأس العالم بألمانيا.

فنعيش النموذج المثالي من خلال مسلسلات وأفلام تبثها الفضائيات، ولا نلبس إلا جديد الموضة بألوانه وزخرفته، وننام آخر النهار ونحن لم نحاسب أولادنا عن صلاتهم ذاك اليوم، وماذا فعل مع أقرانه في الشارع، وهل قرأ شيئاً من القرآن؟؟؟

والحق إن الغرب لا يسير دون خطة يسترشد بها طريق استعمار جديد للعالم وهو في عقر داره، وما العولمة إلا مثال حيّ عن ذلك، "فالعولمة تعني الترشيد داخل إطارها المادي الغربي لكل المجتمعات، بحيث يتحول العالم في نهاية الأمر إلى سوق واحد متجانس يخضع لقوانين العرض والطلب المادية" (4).

إذ تحاول الكثير من الأسر الجزائرية أن تقلد الغربيين في أسلوب معيشتهم فإنها لا تقلدهم إلا في ثقافة العري وعدم الاحتشام من الغرباء، ومن باب أولى الأقربون، كذا ثقافة التفاهة التي تكرس لحياة مادية، يعيش الناس من خلالها في غفلة عن مقصد وجودهم على هذه الأرض، وعن الإجابة عن سؤال: لماذا خلقنا؟

وفي الوقت نفسه تتغافل عن القيم الحقيقية للغرب والتي بها علا وسما، فمن أساسيات التربية عندهم أن الطفل يشب متمسكا بلغته مهما كانت، لغة أصيلة لا ركاكة فيها، إضافة إلى اعتماد الترغيب والترهيب في مسألة العقاب، وخاصة الجسدي منه، كما لا يمكن تجاهل ما للترفيه عن النفس من مكانة حيوية، سواء في الألعاب الرياضية، أو الخروج مع الأبناء، وغيرها من أسباب الترفيه كل حسب إمكاناته؛ وهي التي انعدمت في أساليب التربية التي تعتمد على ألعاب مستوحاة من محيط الشارع، والتي تورث جيلا عبر جيل.

غير أن الأسر المنفتحة على التغريب لا تستفيد من هذه المجالات!! وهنا السؤال المطروح. هل نحن مجتمع يأخذ مع ما يتفق وشهواته ورغباته الآنية فقط؟

وماذا عن اتجاه الكثير من أبنائنا نحو المخدرات، وثقافة الجنس، أو نقول ثقافة الصديق فقط، وهو ما أنتج عندنا فكرة الأمهات العازبات، ولنا أن نتصور أبناء هؤلاء الأمهات؟! هذه الثقافة الغريبة عن مجتمعنا المسلم، دونما التفكير في الثقافات النوعية التي تعود على الأفراد بالنفع والصلاح حتى ولو استوردت من عند غير المسلمين.

وإننا نجد الكثير من أبناء مجتمعنا لا تكاد تربطهم بدينهم سوى شهادة الميلاد، فثقافتهم الدينية ضعيفة إلى حدّ مخيف، وهو ما يرجع إلى حدّة الاحتكاك الثقافي مع الغرب ماضيا وحاضرا.. إضافة إلى القنوات الفضائية والإنترنت(5).. فتعاطي المخدرات، وقصص القتل المريعة، وأحداث الانتحار، والاغتصاب، وغيرها مما في سجلات المحاكم وتقارير الشرطة، وما تنشره الجرائد على صفحاتها يوميا من أمور غريبة عن المجتمعات العربية التي ما كانت تعرف إلا القتل للثأر أو الشرف.

خاتمة:

وبين التقليد والتغريب يبقى الفراغ هو العدو الأول للأطفال، فإذا لم يعرف الآباء كيف يملئوا هذا الفراغ، فإن فلذات أكبادنا سيكونون فريسة سهلة لآخرين ممن لهم باع مع في تمضية أوقات الفراغ بالتفاهات إن لم تكن المخدرات، فهي الثقافات المسمومة الأخرى.

توصيات:

• نشر الوعي بين أوساط العامة بالمخاطر التي تواجه الأسرة الجزائرية، بالتعاون مع مديرية الشؤون الدينية، وكافة المساجد، والتنسيق مع مراكز البحث الاجتماعي في الجامعات.

• زيادة الأبحاث والندوات التي تركز على الحفاظ على هوية الأسرة في مواجهة التقاليد البالية وتيارات التغريب.

• التنسيق مع وسائل الإعلام المحلية والوطنية للتعاون والإسهام في بيان قضايا الأطفال وما يحوط بها.

• نشر الوعي بمقاصد الزواج والعائلة في الإسلام بين المقبلين على تكوين أسر.

• التعريف بالأساليب التربوية الإيجابية والفعالة التي تقوي أواصر الأسرة ونظامها. 




لتحميل الموضوع  صيغة وورد







طريقة التحميل 






ليصلك الجديد فيما يخص ما ننشره 
 قم بتسجيل الاعجاب بالصفحة 


مدونة تعلم

مدونة تعلم mourad ,,,,,

0 التعليقات