السؤال : هل الإدراك من طبيعة عقلية خالصة ؟ 
الطريقة : جدلية
المقدمة: 
إننا دوما في اتصال مع محيطنا الخارجي , وهذا الاتصال في أبسط صوره يتم بواسطة الأعضاء الحسية , فترانا نسمع ونبصر ونلمس , 
ولكننا لا نتوقف عند حدود هذه المعطيات الحسية 
إن علاقة الإحساس بالإدراك كانت محل تساؤل من طرف الفلاسفة وعلى وجه الخصوص الفلاسفة العقليين والماديين 
التحليل :
الرأي الأول .( إن الإدراك من طبعة مادية)
أنطلق أنصار النظرية الحسية من أن كل ما هو موجود مصدره الحس حتى الأفكار الأكثر تجريدا وان المعرفة الصحيحة تتم الإدراك العقلي المطابق للأشياء كما في وجودها العيني .و قد عبر الفيلسوف الانجليزي (جون لوك) عن هذه النظرة وبيّن أن أعض الحس التي تقابل المحسوسان هي التي تنقل إلى الذهن المدركات الحسية المستمدة من الأشياء , وذلك تبعا لاختلاف المسالك التي أثرت بها هذه الأشياء على الأعضاء الحسية .
وقد ميّز ( لوك ) بين الصفات الأولية و الصفات الثانوية في الشيء مثل الامتداد والشكل والصلابة . أما الصفات الثانوية فهي ليست ثابتة لأنها مجرد قوى تثير فينا إحساسات مختلفة مثل الألوان والطعم والروائح فالكرة مثلا يمكن أن تكون بيضاء أو خضراء أو حمراء . ولكن وجودها لا يتوقف على هذا اللون أو ذاك بل يتوقف على صفاتها الجوهرية مثل الشكل والامتداد والصلابة فهي من حيث الشكل مستديرة ولا يمكن أ، تكون غير ذلك . ويعنى أن إدراكنا للأشياء الخارجية متوقف على صفاتها الأولية لا على صفاتها الثانوية .
و إذا كانت هذه الصفات أو الكيفيان الحسية مترابطة في الشيء فأن الصور التي تحدثها في عقولنا تصل إلينا وهي منفصلة ,فكل إحساس يصل مستقلا ويكون انطباعا حسيا مستقلا عن غيره .ولكن العقل يربط هذه الانطباعات بعضها ببعض ويكوّن منها إدراكا متميزا مثل إدراك البرتقالة الذي يتألف من شكلها وامتدادها وصلابتها ثم لونها وطعمها . 
ويتفق (هيوم ) مع لوك في رد الإدراك إلى الإحساس إذ حصر مفهومه في نطاق الانطباعات الحسية الناتجة عن تأثير الأعضاء الحسية بخصائص الأشياء ولكنه رفض فكرة التمييز بين الصفات الأولية الصفات الثانوية لان هذه الأخيرة في نظره صفات جوهرية مقوّمة لوجود الأشياء حيث يقول : " فان الألوان والأصوات والحرارة والبرودة كما تبدو لحواسنا لا تختلف في طبيعة وجودها كما تكون عليه حركة الأجسام وصلابتها ".
مناقشة :
إن النظرية الحسية قد تجاوزت بالفعل ثنائية الإحساس والإدراك واستطاعت أن تجمع بينهما في عملية ذهنية واحدة فان طبيعة هذه العملية كانت محل نقد من طرف الفلاسفة وبعض علماء النفس الذين يرفضون تجزئة الظواهر النفسية إلى عناصرها الأولية .
الرأي الثاني  ( إن الإدراك منة طبيعة عقلية )
تقوم النظرية العقلية في أساسها على التمييز بين الإحساس والإدراك , فالإحساس مرتبط بالبدن لا ن المحسوسان هي مجرد تعبيرات ذاتية قائمة فينا . أما الإدراك فهو مرتبط بالعقل . إن المعرفة الحسية مهما كانت درجتها لا تبلغ مرتبة الإدراك لأنها معرفة جزئية , وكثيرا ما تكون خاطئة كما أكد على ذلك ( ديكارت ) ومن هنا كانت الأشياء الخارجية امتدادات قابلة للإدراك العقلي , فالإدراك فعل خاص بالعقل , وهذا الفعل ينتقل من خلال غشاء الإحساس التي هي مدار عملية الإدراك , فينفذ بواسطة أحكامه إلى الطبيعة الواقعية أو الحقيقة للأشياء ويوضح ديكارت هذا الأمر بالمثال الآتي : " إنني حين انظر من النافذة أشاهد رجالا يسيرون في الشارع , مع أنني في الواقع لا أرى بالعين المجردة سوى قبعات ومعاطف متحركة , ولكن على الرغم من ذلك احكم بأنهم أناس " . وهكذا يصل ديكارت إلى النتيجة الآتية : " وإذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني " . وأكد الفيلسوف بركلي أن هناك علاقة بين العقل ووجود الأشياء , ورفض أن يكون لها

وجود مستقل عن الذهن المدرك لها . فالأشياء المادية تمثل الوجود السلبي وهذا مقابل العقل الذي يمثل الوجود الفاعل أو الايجابي . وفاعلية العقل تظهر في مختلف الأحكام التي يطلقها على الأشياء المادية والتي بموجبها يتم إدراكها أي معرفتها معرفة كاملة ذلك أن حكمنا على شيء ما في 
الواقع يستلزم أن هناك عقلا أدركه أو كما يقول بركلي : " وجود الشيء قائم في إدراكي له ". 
إن الإدراك نشاط عقلي تساهم فيه عمليات عقلية مثل التذكر والتخيل والتأويل ... وفي هذا الصدد يذكر لنا آلان مثال المكعب :
فنحن نرى هذا الشكل و نحكم عليه بأنه مكعب على الرغم من ألا أننا لا نرى منه في الواقع سوى ثلاثة وجوه وتسعة
أضلاع ولكن المكعب يتكون من ستة وجوه واثني عشر ضلعا . وهذا يدل على أننا لا ندرك المكعب عن طريق حاسة البصر , بل عن طريق العقل . 
ويؤكد العقلين انه لما الإدراك مجموعة من الأحكام العقلية , فإن أخطاء الحواس يجب أن تخضع للتأويل الأحكام العقلية . فكثيرا ما نقوّم ما يقدمه لنا الإحساس ونحكم على الأشياء المدركة حسب حقيقتها لا حسب ما تبدو لنا في الخارج . فقد نرى أن الشيء يزيد حجمه عندما يقترب منا أو ينقص عندما يبتعد عنا دون أن نعتقد حقيقة بزيادة حجمه . وانكسار العصا المغموسة في الماء ليس حادثة فعلية حقيقية في عقولنا . ولولا التأويل العقلي كذلك لاختلطت علينا الأشياء الطبيعية بالأشياء الاصطناعية المزيفة .
كما أن الطفل الصغير يحس بالأشياء ولكنه لا يدركها إذ يحاول عبثا التقاط القمر . ويذكر الطبيب( شزلدن )أن الأكمه الذي أعاد غليه بصره كان يعتقد – خطأ – أن الأشياء تلامس عينيه لذلك قال : " عندما أفتح عيني لأول مرة لأرى العالم أرى كل شيء ولا أرى أي شيء " . 
مناقشة 
إن النظرية العقلية كما ير ى بعض الفلاسفة وعلماء النفس لم تكن على صواب حين ميزت بين الإحساس والإدراك , وفصلت بين وظيفة كل منهما في المعرفة . فإذا كان الإحساس والإدراك هو الجسر الذي يعبر ه العقل أثناء الإدراك فأن ذلك يعني بالضرورة أن للإحساس وظيفة يؤديها في عملية الإدراك ومن دونه يصبح الإدراك فعلا مستحيلا , أي كل إدراك يحمل في ثناياه بذورا حسية متنوعة






للمزيد من المواضيع المتعلقة بالتحضير لشهادة الباكالوريا 2016

قم بزيارة هذه الصفحة





مدونة تعلم

مدونة تعلم mourad ,,,,,

0 التعليقات