شرح قصيدة الى أمتي الصف الحادي عشر

 تتميز بالصور السريعة التي تنساب بعذوبة فتؤثر بقوة في وجدان المتلقي، وتتسم بلغة عالية رشيقة وصافية تستثمر المحمول التاريخي للأمة العربية وتعتمد على جزالة المفردات وقوتها.

تتألف القصيدة من سبعة وعشرين بيتاً بدأها سموه بقوله:

كفكف دموعك أيها المشتاق                                 فلكل وجد لو علمت مذاق

ولأنت مفتون بعشقك أمةخضعت لعزة مجدها الأعناق.

والحقيقة أن من يقرأ القصيدة إلى آخرها يشعر بهذه الشفافية العالية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في استشعار أحوال الأمة العربية اليوم التي لا تسر البال، وهو في استشعاره هذا لم يفقد الأمل، بل هو من أشد المؤمنين بأن ما يجري سوف يزول، وهو ليس أكثر من زوبعة في فنجان، إذا ما تيقظت الأمم والشعوب العربية لهذا الخطر المحدق الذي يطل برأسه، فيكدر الحال ويقلب مزاج الفرد، ويعكر صفو الإنسانية.

لقد كان ديدن الإمارات منذ أن تأسست ولا يزال هو الحرص على وحدة الأمة العربية، وهو أمر راسخ ينبع من إيمان دولة الإمارات بأن التضامن والتعاون العربي هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق الراهن، وهو الذي نبهت ولا تزال تنبه إليه الإمارات في كل مناسبة ومحفل سياسي عربي ودولي، وهو على رأس أولويات القيادة الرشيدة.

يقول سموه:
أواه ما هذا الذي في أمتي                               قد حلّ حتى اسودت الآفاق.
في هذا البيت يبدو السؤال موجعاً ومحزناً ومؤلماً بالنسبة لسموه، هو إذاً وضع خطر ينذر بانسداد الأفق، وقد توقف سموه عند المدن بأسمائها، توقف عند جلق ذلك الاسم التاريخي الذي يرن في خاصرة التاريخ السوري، جلق القديمة أم دمشق الحديثة، هي في أسمالها اليوم، في مأساتها التي لا تحتمل، في أزقتها وحواريها، أصبحت الآن خرائب مبعثرة تدعو للتفجع والأسى، وليست بعيدة عنها أرض بابل، بابل التاريخ القديم الجديد، الذي يدثر العراق الشامخ بويلات وعواصف لا حصر لها مثال آخر يسوقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.. ليس ذلك فحسب فإذا التفت المرء فثمة دماء تسيل، وثمة حقد دفين وثمة ما يشوه وجه الحاضر، فهي ليست العراق التي نعرف، ثمة نزاعات وشقاقات وحروب تقودها جماعات وطوائف وأحزاب وتيارات نسيت في غمرة تناحرها الطائفي والمذهبي وحدة الأخوة والدم والمصير.

وسموه في قصيدته هذه، يروعه أمر الدم الذي يسال، ويروعه أكثر لا جدوى وبشاعة هذه الحروب والكوارث، التي أصبحت كأنها حادث يومي عبثي، من السهل أن تراه في فقد عزيز، وفي موت بريء، هو بالنسبة لسموه عنوان لكارثة، لا يمكن أن تصمد أمامها أي مبررات إنسانية وخلقية وعقائدية.

وسموه في غمرة تساؤلاته تلك، وفي غمرة تمعنه في هذا الواقع العربي والإسلامي المشتت، لا ينسى ماضي الأمة العربية التليد، هذا الماضي المشرق، الذي سجل مآثر وتواريخ مشرقة ساطعة، هي بكل تأكيد ترفض هذا الواقع، ولا تطيقه ولا ترى فيه غير الجحيم الذي لا يليق بهذه الأمة الكبيرة.
أطلعتها سري فضج مطوّق                                 كانت له المهج العزاز تساق

وطن يراني فيه صاحب بدعة                                 في حبه ويغار كيف أشاق

وتربعت في خيمة بدوية                                 نفس لها بين النجوم رفاق
مبهورة بهوى القريض أبيةعربية إنسانها عملاق.

في تلك الأبيات يروق لسموه أن يؤكد دور الثقافة والشعر، يروق له أن يذكر القارئ بتلك البساطة التي يتميز بها سموه، هذه البساطة في أكناف خيمة عربية يسطع فيها قريض الشعر، إنما هي صورة تستأنس ذلك الصفاء، وتستأنس ذلك المجد في عصمة الكلمة الممهورة بحد النباهة والرأفة وتروم إنساناً عربياً متناغماً مع هواجسه، ومتصالحا مع مبادئه، ومصافحا نجمة تحلق في الأعالي، تقول لهذا الراهن العربي كفى وألف كفى.

في تلك الخيمة البدوية التي ترنو إلى الأعالي أخذ سموه يجمع نور الحروف، فينتشي قلمه على أوراق بيضاء، كأنها بمثابة البشارة، التي ترفض هذا الواقع وتزدريه، فإذا الحروف تتحول إلى كلمات مجنحة وإذا الصفحات ترق، وتهدأ، وإذا بها تشرق وتمعن في الإشراق، طالما تذكرت تلك الأمة العظيمة، التي ربما يخبو مجدها مؤقتاً، ولكنها في مقبل الأيام ستنهض، كسابق عهدها، في الواقع الذي كان، وفي متون الكتب وفي ظلال التاريخ، الذي سطر أبهى وأنصع الإنجازات.

وأخذت أجمع نور حرفي فانتشى                                 قلم له تتنافس الأوراق

فإذا الصريف حفيف أجنحة العلا                                 وإذا الصحائف كلها إشراق.

وها هو سموه يؤكد على ما يليق بالإنسان العربي، وما يليق بالأمة العربية والإسلامية، كما يذكر بالنهج الذي سارت عليه وخططت له الإمارات التي تروم الصدارة والمركز الأول في كل الميادين، وهو الذي يؤكد الأقوال بالأفعال والبراهين، وهي الحقائق التي تجسدت على أرض الإمارات، التي تثبت يوما بعد يوم أنها أهل للجدارة والاستحقاق.. وأنه لا ينازعها في بلوغ هذا الهدف أي مستحيل، طالما تسلحت بالعلم والإيمان وبثقة الإنسان العربي بتاريخه وحاضره، ونهج قيادته الرشيدة التي تعمل المستحيل، لكي تبقى شامخة يتردد صدى صوتها في الأعالي.

في البيتين الثامن عشر والتاسع عشر يؤكد سموه على أصالة الإنسان العربي ونسبه العريق الذي يفاخر به بين الأمم والشعوب، لما قدمه الإنسان العربي عبر تاريخه الطويل من إسهامات عظيمة أفادت البشرية جمعاء ونهضت بمستوى معارفه، هذه الحضارة التي انطلقت من أرض الخليج العربي، حيث الشرف والبطولة والعنفوان والكرم هما عنوان الإنسان ومداده، ومنهجه الحياتي الذي يمارسه في كل الأوقات والأزمان من دون انقطاع، وهذه الصفات هي عهد كل عربي أصيل يتمتع بالشهامة والإباء، كما يؤكد سموه على كثير من النقاط التي يجب التوقف عندها، والتي تلخص في مجموعها صفات العربي الأصيل الذي إذا ما اشتدت الصعاب عليه، يلجأ للحكمة، والحكمة في عرف العرب، هي خلاصة تجارب الناس عبر مئات السنين.

ويشير سموه إلى استمرارية هذا النهج المتأصل لدى أهل الخليج في الخمسة التالية، حيث كانت دول الخليج هي السد المنيع والحصن الذي منع انهيار الأمة العربية وغرقها في دوامة العنف والحروب أكثر مما هي غارقة الآن، ولولا بطولات جنود الخليج الشجعان والبواسل لكان اليمن الشقيق قد ضاع وقسم وأحرق من الداخل وأصبح مستقبله حالك السواد تائهاً في دوامات العنف والتشرذم، لكن جيوش الخليج جاءت منتصرة لطلب أبناء اليمن ونجدتهم من الشرذمة التي تحاول العبث بأرضه وإغراقه، فانطلق بواسل الخليج يذودون بأرواحهم لنصرة أهلهم في اليمن، فكانوا كما يقول سموه في صورة رائعة «كتائباً تنساق».


تستمر القصيدة في تصوير مواقف البسالة، وشجاعة هؤلاء الجنود، وما سطروه من مجد، وهم عند خط النار يقبضون على سلاحهم وينصرون المظلوم ويعيدون إليه الحق، وهم حافظو العهد، وإذا جاء يوم القتال فهم دائماً رجال الفداء، ولولا هذه التضحيات العظيمة لكان وضع المنطقة مختلفاً جدا وكان أهل اليمن يعيشون أصعب الأحوال، في ظل سيطرة فئة من المخربين والعابثين أو السارقين كما يصفهم سموه.

ودول الخليج اليوم هي ملاذ الأمة وعنوان مجدها، وهي الحصن المنيع الذي يعيد عزة الأمة العربية، وتاريخها المجيد وأثرها العظيم، ويعيد لها الفخر بعد السنين الطوال التي انحنى فيها ظهر العرب، ومادام أن دول الخليج يد واحدة، فالواجب يقتضي التعاضد لدحر العدوان، وأصحاب النوايا البائسة التي تحاول أن تزعزع أمن المنطقة، ومادام العرب جميعاً في خندق واحد، فما يحصل في ذلك الخندق يحصل للجميع.
ويتابع سموه مؤكداً على أن دول الخليج ستعيد قوة الأمة وكبريائها لتلحق بركب الحضارة العالمية وتكون أحد المساهمين في هذه الحضارة في شتى المجالات الفكرية والعلمية، بل وتكون السباقة والأولى وقائدة لمسيرة التطور والازدهار التي يحلم بها البشر جميعاً.

دعوة إلى الجد والاجتهاد
يطرح سموه في الأبيات الثلاثة الأخيرة من القصيدة خلاصة وحكمة مضمونها، أن الحياة مليئة بالصعوبات والعقبات، وهي سباق نحو الريادة والعطاء والتقدم، ولا يقدر على مجاراتها إلا من كان كفؤا لها ومستعداً لخوض المواجهات على كل الأصعدة، فلا الانتظار والجلوس دون عمل يفيد، بل المفيد هو استنهاض الهمم والعمل الدؤوب والمكثف والدفّاق في سبيل رفعة الأمة وعزتها.

ويأتي ختام القصيدة في البيت الأخير ليستلهم الحكمة والعزيمة من قول الله عز وجل، حيث يذكر سموه بضرورة العمل والاجتهاد والجد في سبيل الوصول إلى الهدف، فلكل مجتهد نصيب وأجر على اجتهاده.

بلاغة الرسالة وحكمـة الشعـر
يكثف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رؤاه ومنطلقاته الفكرية في قصائده الشعرية، فلا تظهر القصيدة لديه بوصفها بلاغة لغوية جمالية قائمة على حسن السبك، وتكثيف المعنى وحسب، وإنما يمكن من خلالها الوقوف على الرؤى الفكرية التي يستند إليها سموه في مشروعه الحضاري والإنساني.

يظهر هذا بالعودة إلى مجمل نتاجه الشعري النبطي منه والفصيح، فيمكن لقارئ قصائده الوقوف على جملة من المواقف التاريخية التي تمثل ركائز المشروع الحضاري الذي تقوده دبي، والإمارات بصورة عامة، إذ يظهر موقفه من الأمة العربية، ومن الواقع السياسي العربي، وتنكشف بلاغته الحكيمة، وأصالة خصاله النبيلة، وعلاقته مع الشعر، ورؤيته لشؤون الدنيا وأمور الحكم.

تنكشف كل تلك الرؤى والمفاهيم، في قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الأمر الذي يؤكد علاقته المتينة مع الشعر، فعلى الرغم من الخطابات، واللقاءات العديدة التي تظهر فيها مواقفه ورؤاه، إلّا أن القصيدة تظل هي عشقه الأول والأخير، لقول ما يريد قوله، إذ يلجأ إلى الشعر غالباً في المناسبات الوطنية، والقومية، والأزمات الإنسانية، فتكاد تكون قصائده شواهد شعرية راسخة على مجمل ما مرت به المنطقة من إنجازات، وأزمات، ومواقف إنسانية كبيرة.
يتجلى ذلك كله في قصيدته الأخيرة التي أطلقها بمناسبة انعقاد منتدى الإعلام العربي، حيث كتب قصيدة من سبعة وعشرين بيتاً، حملت عنوان «قصيدة إلى أمتي»، استعرض فيها الكثير من القضايا التي تثير شجونه، وتفتح الباب على مجمل شواغله الإنسانية، والقومية، والمحلية، حيث تظهر القصيدة أشبه برسالة يبعث بها إلى الأمة العربية أجمعها، وهذا ما يكشف عنه عنوان القصيدة.
تتأكد لدى سموه الرؤية العروبية الأصيلة في الخطاب الشعري الذي يوجهه إلى الأمة العربية، فلا يقول إلى الإماراتيين، أو الخليجيين، وإنما يخاطب العرب في مختلف بقاع الأرض، وكأنه يرى في العروبة هوية جامعة.
يتجلى الخطاب القومي للأمة في الأبيات التي يستهل فيها سموه القصيدة، ويظل هذا الحس يلازم القصيدة حتى انتهائها، فيقول سموه في استهلاله للقصيدة: «كفكف دموعك أيها المشتاق/ فلكل وجد لو علمت مذاق، ولأنت مفتون بعشقك أمة / خضعت لعزة مجدها الأعناق».
ويتوقف سموه عند الهم الأبرز الذي تعانيه الأمة العربية اليوم، وهو الحرب التي تعيشها الشام، واليمن، والعراق، في ظل التمدد الظلامي الداعشي، فتظهر أبياته مناجاة للهم، وتكريساً لسيرة الصمود التي عرفتها الشام، والعراق، واليمن، إذ يوظف سموه الأسماء التاريخية لتلك المدن، مستعيداً سيرة حضارتها الراسخة.
يقول سموه في توصيفه لمجمل الوضع العربي الراهن: «ما هكذا كانا ملاذ عروبتي/ كلا ولا الوضع الرهيب يطاق»، وكأنه يستنهض همم البلاد العربية، وقيادتها لتستعيد سيرة مجدها التاريخية.
وينتقل سموه من ذلك الوضع العربي إلى توصيف العلاقة التي بناها مع الشعر، فهو يرى فيه المتنفس الذي يقول فيه ما يريد، ويعلن عن رؤاه، ومشاعره، بلغة صافية، مكثفة، توظف المحمول التاريخي للثقافة العربية، وتعلي من شأن الصورة في توصيف الراهن، فتظهر جزالة المفردة، ومتانة البناء الشعري، وجمالية التوصيف.
يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، علاقته مع الشعر من خلال حديثه عن الهوى، الذي افتتنت فيه نفسه، فيقول: «وتربعت في خيمة بدوية/ نفس لها بين النجوم رفاق، مبهورة بهوى القريض أبية/ عربية إنسانها عملاق، وأخذت أجمع نور حروفي فأنتشي/ قلم له تتنافس الأوراق، فإذا الصريف حفيف أجنحة العلا/ وإذا الصحائف كلها إشراق».
تظهر صورة الشاعر الكبير في تجلياتها اللافتة داخل تلك الأبيات، إذ يعود سموه إلى صورة الشخصية البدوية الحرة، التي يُعرف أشرافها بالفروسية، والشعر، والفصاحة، وعشقهم للغة، فيروي حكاية هواه للشعر.
تتجلى سمات الشاعر والقائد المشغول بهموم أمته في جملة الأبيات الشعرية التي تشكل بنيان القصيدة، إلّا أنه في الوقت نفسه تظهر السمات الأسلوبية، والمرجعيات الذهنية التي يعود إليها سموه في كتابة قصيدته، فإلى جانب جملة الصور الشعرية التي يرسمها، والتكثيف اللغوي الذي يستند إليه، وحتى البلاغة في نسج أبيات القصيدة، وتظهر علاقة سموه في الحكمة، فلا يتوانى عن الرجوع إلى تجارب حياته ليقدم أبياتاً من الحكمة الخالصة.
تنكشف هذه الأبيات في ختام القصيدة، الذي يعلن فيها أن العقل هو السبيل لمواجهة شؤون الحياة، فيقول: «ولمن يظنون الحياة بسيطة/ إن الحياة إذا وعيت سباق، لا انتظار بها يفيد ولا الرجا/ بل همة تيارها دفاق، والله قال قل اعملوا بكتابه/ وبالاجتهاد تحصل الأرزاق»
التحميل من هنا  



سجل اعجابك ليصلك الجديد


أو

Image result for ‫تابعني على التويتر‬‎

مدونة تعلم

مدونة تعلم mourad ,,,,,

0 التعليقات